غادة عبدالرازق تهرب من العشوائيات وتكتشف نظرية “الأحاسيس”

غادة عبد الرازق في لقاء اذاعي مع نجوم إف إم

غادة عبد الرازق في لقاء اذاعي مع نجوم إف إم

 

إقبال التميمي

أجرى الزميل محمد عاطف مع الفنانة المصرية غادة عبد الرازق لقاء نشرته صحيفة “القدس العربي” اللندنية تحت عنوان (الدراما عليها نقل صورة جميلة عن المجتمع). أكد اللقاء بشكل فاضح ضحالة ثقافة الفنانة وأن ادعاءها بأنها تسعى لترك أدوار بنت البلد ومشاهد العشوائيات غير نابع من نيتها التنويع في الأدوار لإثبات الكفاءة، وإنما من اهتمامها بالمظاهر في محاولة لقفز الحواجز لتقمص شخصية مخطوفة من لقطة في مسلسل تجاري تعتمد فيه الممثلة على فستانها لينوب عنها بالحديث في طبقية مفتعلة.

تقول في الحوار بأنها قررت الابتعاد في أعمالها المقبلة عن العشوائيات والأدوار الشعبية التي اشتهرت بها في السنوات الماضية، بعد نجاحها بمسلسل “مع سبق الإصرار” الذي لعبت فيه دور محامية ثرية، لأنها ترى أن الدراما تنقل صورة المجتمع امام الآخرين ولذا تفضل نقل صورة زاهية وجميلة عن مجتمعها بينما أعمال العشوائيات لا تنقل ذلك بل تعطي صورة سيئة عن الحياة في مصر.

نسيت عبد الرازق أن قطاعا كبيرا من جمهورها الذي رفعها على سلّم الشعبية هو جمهور العشوائيات. ومجرد قرارها بالابتعاد عن العشوائيات لن يمحو تلك المناطق من الوجود. لأن السياح يرون العشوائيات والصحفيين الأجانب نشروا الكثير من التقارير عن العشوائيات واختفاء فنانة مثلها من أزقة العشوائيات في الدراما المحليّة لن يغير من الوضع في شيء. فالجمهور الغربي الذي تخشى عبد الرازق أن يرى الجانب المؤلم والحقيقي من مصر، غير معني بنتاج الدراما العربية المحلية التي ما زالت تعرج خلف الغبار الذي خلفته عربة الدراما العالمية التي انطلقت منذ سنوات. فأي قطاع تريد عبد الرازق أن تخفي حال العشوائيات عنه؟ تفضيلها لنقل صورة “زاهية” عن البلد حسب تعبيرها، هو تزوير للواقع و”تزويق” لعروسة دراما الخيال البشعة في وقت سجلت فيه برامج الواقع نجاحات لا يمكن تجاهلها. فالغالبية العظمى من الأعمال الدرامية الناجحة عالجت واقع الفئات المقهورة والأحياء الفقيرة. وعلى سبيل المثال، لم يلق فيلما نجاحاً منقطع النظير مثل فيلم ‘المليونير الكلب ابن الاحياء الفقيرة’ الذي عالج واقع الاحياء الفقيرة في الهند الى درجة اجتذاب انتاج وإخراج بريطاني للعمل. كذلك أشهر انتاج للكاتب الأميركي أليكس هايلي الذي كتب رواية “الجذور” تحول إلى أنجح مسلسل تلفزيوني يروي واقع الفقر والعنصرية في أمريكا.

وأثناء قراءة اللقاء مع عبد الرازق تصفعنا الدهشة، إذ أن الهاربة من تنميط شخصيات العشوائيات، خرجت علينا بنظرية “الأحاسيس” وهي نظرية جديدة في عالم الابداع الدرامي. إذ ترى عبد الرازق أن نجاح المسلسلات التركية حصل حسب قولها “بفضل العرب وليس الأتراك لأن دبلجة الحوار تجري بممثلين سوريين يعبرون بأحاسيسهم التي تصل إلى الجمهور وليس أحاسيس الممثلين الأتراك”.

 هنا اختصرت الممثلة عبد الرازق مقومات العمل الدرامي التركي ونتاجه العملاق وحشرته في كبسولة الدبلجة الصوتية السورية. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أنوّه إلى ضرورة تسجيل هذه النظرية لضمان حقها الأدبي في طرحها اللامع الذي فاق لمعان طبقات أحمر الشفاه الذي استخدمته في لقاءها المتلفز مع نيشان في لقاء “أنا والعسل” في رمضان الماضي، والذي أكدت فيه خروجها من ثوب بنت البلد بارتداء ثوب “حضاري” كشفت فيه من جسدها بقدر المسافة بين فيللا المحامية الثرية في مسلسل “مع سبق الإصرار” وبين منطقة العشوائيات. حاولت في اللقاء جاهدة الحفاظ على لمعان شفتيها إلى درجة أنها حالت دون التقاءهما معاً لئلا تنزع إحداهما بريق الأخرى. ولم يكن جهد قفزة التطور سهلة رغم طول الساقين، إذ ليس من السهل الحفاظ على قشرة ثقافية بحجم فستانها الاقتصادي الحجم في مكانها. إذ لو سحبته لتغطية المكشوف في الأعلى، لقصّر في واجبه في ستر الجزء الأسفل.

قالت عبد الرزاق في اللقاء الصحفي أن صوت الدوبلاج السوري هو الذي صنع شعبية الدراما التركية وليست الدراما التركية ذاتها. وبهذا “شطبت” جهود الدراما التركية من بحث تاريخي واجتماعي للقصة ودقّة لغة الحوار والإبداع في أساليب التصوير الحديثة التي يستخدمها الأتراك في انتاجهم والتي تتضمن استخدام الطائرات لالتقاط المشاهد من الأعلى لتكشف عن طبيعة المكان وسرعات المطاردة وجماليات الطبيعة. كما تجاهلت أهمية نقل الدراما التركية لواقع حياة مزارعي التراحيل في مواسم قطاف القطن ومزارعي الشاي والمجتمعات التي تعتمد على السياح في كسب رزقها. وتغاضت عن أهمية توثيق طقوس الأعراس والطهور والأخذ بالثأر وغيرها من العادات والتقاليد وتنوع اللهجات في المناطق التركية الشاسعة والمتلاقحة مع أكثر من حضارة. من المؤكد أنها لم تتابع كمية الجهد الذي يتطلبه الإعداد لتمثيل مشهد واحد في إحدى حروب السلطان سليمان العسكرية في مسلسل “حريم السلطان”، بل شكلت رأيها بناء على مشاهدة بضعة أعمال درامية تجارية تم تسويقها على الجمهور العربي المتعطش لفانتازيا العلاقات الرومانسية والنساء المرسومات بالمسطرة ممن يرتدين ملابس السهرة صباحاً للذهاب إلى العمل ولا يخلعن أحذية الكعب العالي ولا حتى في المطبخ.

إن العشوائيات في القاهرة هي جزء من مصر تماماً كما هي العشوائيات في المسلسل التركي الناجح “بائعة الورد” الذي عالج درامياً قضية التمييز ضد شعب الغجر وجماعات الروما المتنقلة والموجودة في كل مجتمع بما فيها تركيا ومصر التي طرحت شخصية “الغازية” في أكثر من عمل درامي ناجح.

تقول عبد الرازق “وأهم شيء ان نظهر بحضارة تليق ببلدنا وبأنفسنا، ولذا حرصت أن أظهر في شخصية فريدة المحامية في ‘مع سبق الإصرار بملابس شيك وأن نكون في أبهى صورة”

للأسف اختصرت عبد الرازق مظاهر الحضارة ودور الدراما في نقلها بـ”ملابس شيك” والظهور بـ”أبهى صورة”. بل وعندما أرادت أن تشيد بتحسن الدراما المصرية في الحوار، عزت هذا التحسن إلى “الإضاءة والديكور”.

أمر محزن تماماً أن الأمور التي اعتبرتها عبد الرازق تقدماً، كانت أشياء مستعارة وقشور خارجية تتعلق بالمظهر من “ملابس شيك” و”ديكور” و”مكان تصوير بعيد عن العشوائيات”. مغفلة ما قدمه عمالقة الدراما المصرية في العام الماضي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، مسلسل “الخواجة عبدالقادر” من بطولة الفنان القدير الدكتور يحيى الفخراني، ومسلسل “خطوط حمراء” الذي حمل بطولته الفنان الشاب أحمد السقا، وما جاء في هذه الأعمال من محتوى درامي جديد غير مستنسخ عن انتاج غربي، ومعالجة عميقة لمكونات المجتمعات العربية، وأساليب جديدة في الطرح.

إن قضمة كبيرة من حضارة مصر موجودة داخل العشوائيات والمناطق الشعبية حيث الشباب المثقف الواعي رغم الفقر المدقع وسوء حالة المساكن وتآكل البنية التحتية وكثافة السكان المغمورين بعرق بعضهم البعض نتيجة فساد وفشل مؤسسات أدارها أصحاب “الملابس الشيك” الذين يظهرون على الفضائيات بـ”أبهى صورة”. من المؤكد أن سقوط عبد الرازق وغيرها من الفنانات سيكون مدوياً إن لم يسلحن أنفسهن بشيء من الثقافة لمواكبة سرعة عربة الدراما الواعية التي بدأنا نلمح بعض ركاب الدرجة الأولى فيها من خلال نتاج ما بعد الثورة. لن تنجح تنورة قصيرة في تحقيق رقم على شباك التذاكر، فجمهور ما بعد الثورة يمتلك منصة حرية الرأي وأدوات تشريح الإعلام الجديد لاستئصال أي مدعّ ينظر إلى أوجاع الشعب بدونية واحتقار وفلترة الغثاء.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s