“أيام لا تنسى” بين سوريا وأفغانستان

“أيام لا تنسى” بين سوريا وأفغانستان
A Thousand Splended Suns

تابعنا المسلسل السوري “أيام لا تنسى” في رمضان وتم الترويج له على أنه من “تأليف” فايزة علي، وإخراج أيمن زيدان. 

واتضح بعد المتابعة أن محتواه “معجون” من مكونات رواية عالمية معروفه كتب النقاد عنها الكثير في الإعلام الغربي، وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي. جعلني ذلك أتوقف عند موضوع حقوق الملكية في الوطن العربي، لأن تعبير “من تأليف” يختلف تماماً عن تعبير “مقتبس عن”، وعدم الإشارة إلى اسم المؤلف الأصلي على تتر المسلسل بشكل مطلق هو سقطة أخلاقية.

الرواية السورية “أيام لا تنسى” هي ذات رواية “ألف شمس رائعة” التي تحكي قصة التغير في المجتمع الأفغاني بعد الخمسينيات، وهي من تأليف الروائي الأفغاني الأصل الأمريكي الجنسية خالد حسيني الذي كتب أيضاً الرواية الشهيرة “عدّاء الطائرة الورقية”.

نعم، هناك تشابه بين المجتمعين الأفغاني والسوري، ففي كليهما حرب ونساء مقهورات نتيجة سوء فهم الدين وتجميده وتعطّل أدوات القياس والاجتهاد والإفتاء اللازمة لمواكبة تغير الزمان، ومعايير مزدوجة لدى طبقة المتثاقفين، وعنف ودمار نتيجة الفساد وتسييس الدين والمتاجرة فيه، وتهجير وتقطيع لأوصال الأسر، وظهور لطبقة لوردات الحرب والانتهازيين الذين يثرون مادياً ويتاجرون في كل ما يمكنهم المتاجرة به خلال أي صراع.

إضافة إلى مرتزقة ألسنتهم ولهجاتهم وملامحهم غريبة قادمون من أماكن بعيدة، مشحونون بأمراض كبتهم، لديهم الجاهزية القصوى لممارسة القمع والتنكيل والتخريب في مكان منكوب ليس بينهم وبين أهله قضية ثأر، مسكونون بديدان الجهل التي سدّت ببرازها قنوات المنطق لديهم. ولكن…

قصة الخادمة وابنتها مريم في المسلسل “السوري” هي ذات الرواية الأفغانية، وأماكن حصول الأحداث تحمل ذات الأوصاف، النصوص والمواقف والشخصيات نسخ كربونية عن الرواية الأفغانية، حتى أسماء بعض الشخصيات تم إعادة تدويرها على المشاركين في الرواية السورية، مع دسّ بعض التحويرات المتواضعة من تعابير سورية محلية وإضافة بعض “الشنكليش” لتسهيل تبليعها للمشاهد العربي على أنها قصة ولدت من رحم الإبداع المحلي.

الفرق الوحيد بين الروايتين هو أن تدخين السجائر ورد مرة واحدة في الرواية الأفغانية بينما نساء النسخة السورية يتسببن في تضييق مجاري التنفس لدى المشاهد لكثرة لقطات تدخينهن سجائر محشورة بين شفاه محقونة بالسيليكون إلى درجة تنذر بالانفجار، نتساءل عن الداعي لبناء دراما أسست على أنقاض وطن آخر؟

نعلم تمام العلم حجم الاقتباسات والأفكار المسروقة التي يتم عرضها في الوطن العربي دون الإشارة بشكل واضح للمصدر، وهذا مأزق أخلاقي يضعنا أمام عدة احتمالات منها: أن العاملين في مجال كتابة الدراما مصابون بالعقم الإبداعي مستعصي العلاج، أو أنهم يتهربون من مسائلات جهات رقابية حول المحتوى ويتعلقون بحبال إنقاذ مفتولة على قضايا مستوردة، أو أنهم يتكئون على عكاز فكرة أن المشاهد العربي ضيق الأفق، لا يقرأ الأدب العالمي المنشور باللغات الأخرى ولا يطلع على ما هو أبعد من أرنبة أنفه، ولذلك يجوز استهباله دون التعرض لمغص تأنيب الضمير، أو أنهم يعتقدون بأن السرقة حلال عندما تكون من أجنبي أو أن هذه السرقات ستمر مرور الكرام كالعادة لصعوبة إيجاد قناة تواصُل حقوقية بين الأمم التي تهتم بمتابعة حقوق الملكية الفكرية وبين مؤسساتنا.

للتذكير فقط، أود أن أشير إلى أنه تم إنشاء أول نظام لحماية حق المؤلف في العالم بعد اختراع الحروف المنفصلة المستخدمة في الآلة الطابعة حوالي سنة 1440م، لكننا وبعد ما يقارب ستة قرون إلا ربع، ما زلنا عاجزين عن تفعّيل أي نظام حماية شبيه في الوطن العربي، والعربة التي تحمل أخلاقيات وتطبيقات عقوبات نشل الملكية الفكرية انطلقت منذ زمن لدى الدول المهتمة قانونياً بهذه الجرائم، بينما ما زلنا نعرج خلف غبارها.

إذا سرق شخص من منزل غيره، أو استعار شيئا دون استئذان، تتم ملاحقته قضائيا وينبري المختصون المزودون بأدوات اللعن المختلفة بتشريحه على شاشات الفضائيات، ويتم التشهير به كلما هزّ الكلب ذيله، وقد يقام عليه الحدّ رجماً بقباقيب الصحافة، بينما سرقة عرق كاتب أو جهد مبدع تعتبر فهلوة مبررة تمرّ مرور الماء من ثقوب الغربال ودون سلّ أي من أدوات الشجب من جرابها.

إن أدنى مقومات الأخلاق أن ينسب الفضل لأهله، وإن لم يستطع المرء مشاركة صاحب الفضل بالمردود المالي عليه على الأقل مشاركته بالمردود الأدبي من خلال الاستئذان منه قبل استخدام مادته ثم ذكر اسمه بشكل واضح لا يحتمل اللبس والإشارة اليه كمرجع، فمن يغرف من قِدرك بمغرفته الكبيرة، عليه أن يخجل وأن يسمح لك على الأقل بلحس طرف الملعقة.

إقبال التميمي
مديرة مركز المرأة العربية لمراقبة وسائط الإعلام في بريطانيا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s